أحمد بن محمود السيواسي
126
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
بعد الأربعة الأشهر وهي الأشهر المذكورة ، وقيل : أول التأجيل عند الأضحى إلى آخر عشر من أول ربيع الآخر « 1 » ، وكانت حرما « 2 » لهم لأمنهم فيها أو كونها حرما « 3 » على تغليب ذي الحجة والمحرم على غيرهما ( وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ) [ 2 ] أي واعلموا أنه تعالى مذلهم بالقتل في الدنيا وبعذاب النار في الآخرة ، قيل : نزلت البراءة بعد الهجرة إلى المدينة سنة تسع بعد فتح مكة بسنة ، فتجهز رسول اللّه عليه السّلام للحج ، فقالوا له : إن المشركين يطوفون بالبيت عراة ، فبعث أبا بكر ومعه عشر آيات من هذه السورة ليقرأها على أهل مكة ، ثم بعث عليا وأمره أن يقرأ هو هذه الآيات ، لأن جبرائيل قال : لا يبلغ رسالتك إلا رجل منك وأن يؤذن بمكة ومنى وعرفة أن قد برئت ذمة اللّه وذمة رسوله من كل مشرك ، فلا يطوف بالبيت عريان ، فرجع أبو بكر وقال : يا رسول اللّه ! أأنزل في شأني شيء ؟ قال : لا ، ولكن كان من عادة العرب في عقد العهود ونقضها أن لا يتولى ذلك إلا سيدهم أو رجل من قومه أقرب إليه نسبا ، فكن أنت على الموسم حاكما في أعمالهم ، وعلى ينادي بالآي « 4 » ، وقيل لأن أبا بكر كان خفيض الصوت وعليا جوهري الصوت فأراد أن يسمعها جميع الناس بالتأذين النازل من اللّه تعالى في قوله « 5 » ( وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) وهو جملة معطوفة على مثلها من بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الآية كالتأكيد في بيانها كارتفاع « بَراءَةٌ » في الوجهين ، قيل : « الفرق بينهما أن تلك إخبار بثبوت البراءة وهذه إخبار بوجوب الإعلام » « 6 » ، لأن الأذان بمعنى الإعلام « 7 » ، أي هذه إعلام حاصل من اللّه ورسوله ( إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) وهو يوم النحر ، لأن معظم أفعاله فيه من الطواف والنحر والحلق والرمي أو يوم عرفة ، لأن الوقوف بعرفة معظم أفعاله الواجبة ، لأنه إذا فات فات الحج لا يجبره دم ، وقيل : الأكبر نفس الحج والأصغر العمرة لنقصان عملها من عمل الحج « 8 » ، وإنما علق الأذان بالناس وعلق البراءة الذين عوهدوا من المشركين ، لأن الأذان عام لجميع الناس من عاهد ومن لم يعاهد ومن نكث العهد ومن لم ينكث ، وأما البراءة فمختصة بالمعاهدين الناكثين ، قوله ( أَنَّ اللَّهَ ) بفتح « أن » مع اسمها وخبرها نصب بأنه مفعول « أذان » ، أي إعلام منهما أن اللّه ( بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) بالرفع مبتدأ ، خبر حذوف ، أي ورسوله بريء أيضا لنكثهم ععودهم ، فلم يبق منا عهد وأمان لهم ، فلما كان يوم التروية قال أبو بكر خطيبا للناس فحدثهم عن مناسكهم وأقام الحج للناس يوم عرفة ، ثم قال علي يوم النحر عند جمرة العقبة وأذن في الناس بما أمر به من الآيات العشر ، وبأن لا يطوف عريان بالبيت ، وأن لا يدخل الجنة إلا مؤمن ، وإن من كان بينه وبين رسول اللّه عليه السّلام عهد ، فان أجله إلى أربعة أشهر ، فإذا مضت المدة فلا عهد له ، ومن لا عهد له فعهده أربعة أشهر ، وبأن فريق المشركين لا يجتمع مع فريق المسلمين بعد عامهم هذا ، فقال الناكثون منهم : يا علي أبلغ ابن عمك أنا ، قد نبذنا العهد وراء ظهورنا ، فليس العهد بيننا وبينه إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف ، ثم قال ( فَإِنْ تُبْتُمْ ) من الشرك ونكث العهد ( فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) من الإقامة عليه ( وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ) أي إن أعرضتم « 9 » وأبيتم الإيمان وأقمتم على الكفر ( فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ) أي غير فائتين من عذابه ، ثم قال للنبي عليه السّلام ( وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) [ 3 ] وهو القتل في الدنيا وعذاب النار في الآخرة . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 4 ] إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 4 ) ثم استثني من قوله « بَراءَةٌ » « إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » من لم ينقض العهد بقوله ( إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ
--> ( 1 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 2 ) حرما ، ب م : حراما ، س . ( 3 ) حرما ، ب م : حراما ، س . ( 4 ) اختصره المصنف من السمرقندي ، 2 / 32 ، 33 ؛ والكشاف ، 2 / 180 . ( 5 ) أخذه عن السمرقندي ، 2 / 33 . ( 6 ) أخذه عن الكشاف ، انظر الكشاف ، 2 / 180 . ( 7 ) لأن الأذان بمعنى الإعلام ، ب : والأذان بمعنى الإعلام ، م ، - س . ( 8 ) اختصره المفسر من البغوي ، 3 / 8 . ( 9 ) أي إن أعرضتم ، م : أي أعرضتم ، ب س .